ابن تيمية
84
مجموعة الرسائل والمسائل
ولما كانت هذه العبادات هي المعروفة قال في حديث الخوارج الذي في الصحيحين " يحقر أحدكم صلاته وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " فذكر اجتهادهم بالصلاة والصيام والقراءة ، وأنهم يغلون في ذلك حتى تحقر الصحابة عبادتهم في جنب عبادة هؤلاء . وهؤلاء غلوا في العبادة بلا فقه فآل الأمر بهم إلى البدعة فقال " يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . أينما وجدتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة " فإنهم قد استحلوا دماء المسلمين وكفروا من خالفهم . وجاءت فيهم الأحاديث الصحيحة ، قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى : صح فيهم الحديث من عشرة أوجه ، وقد أخرجها مسلم في صحيحه وأخرج البخاري قطعة منها . ثم هذه الأجناس الثلاثة مشروعة ( 1 ) ولكن يبقى الكلام في القدر المشروع منها . وله صنف كتاب الاقتصاد في العبادة . وقال أبي بن كعب وغيره " اقتصاد في سنة ، خير من اجتهاد في بدعة " . والكلام في سرد الصوم وصيام الدهر سوى يومي العيد وأيام التشريق وقيام جميع الليل ، هل هو مستحب - كما ذهب إلى ذلك طائفة من الفقهاء والصوفية والعباد ، أو هو مكروه - كما دلت عليه السنة وإن كان جائزاً ؟ لكن صوم يوم وفطر يوم أفضل ، وقيام ثلث الليل أفضل ، ولبسطه موضع آخر . إذ المقصود هنا الكلام في أجناس عبادات غير مشروعة حدثت في المتأخرين كالخلوات فإنها تشبه بالاعتكاف الشرعي . والاعتكاف الشرعي في المساجد كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله هو وأصحابه من العبادات الشرعية . وأما الخلوات فبعضهم يحتج فيها بتحنثه ( 2 ) بغار حراء قبل الوحي وهذا خطأ ،
--> ( 1 ) أي الصلاة والصيام والقراءة ( 2 ) التحنث التعبد وأصله التنزه من الحنث وهو الاثم وزنا ومعنى كالتحرج ويقرب منه التحنف واصل معناه الميل عن القبيح إلى الحسن والحنفية ملة إبراهيم واختلف في عبادة نبينا ( ص ) في غار حراء قبل النبوة فقيل كانت تفكرا وقيل غير ذلك